شاهدٌ عدلٌ في عمراننا، مجروحٌ في نبوّتنا
لوبون شَهِدَ لنا بالحضارة، وشَهِدَ علينا بالوحي.
كتابٌ استقرّ في وجداننا قرناً ونصف قرن، فما تفتح خطبةً عن أمجاد الأمة أو مقالاً عن فضل المسلمين على أوروبا إلا وقعتَ على اسمه شاهداً مُقدَّماً، كأنّ الرجل حجّةٌ لا تُردّ، وكأنّ كتابه براءةٌ صدرت عن محكمة الغرب لصالحنا. وهذا وحده يوجب أن يُقرأ كما هو لا كما اشتُهر.
وحاصلُ التحرير: أنه من أنفع ما كُتب في وصف عمران المسلمين وعلومهم وآثارهم، وأنّ صاحبه أنصف في باب الحضارة إنصافاً فاق فيه أهلَ دينه، وأنه في الوقت نفسه رجلٌ مادّيّ لا يؤمن بما وراء الحسّ، فبقيت البعثةُ عنده حادثةً وقعت في لحظةٍ مواتية، والنبوّةُ عبقريةً، والقرآنُ نصّاً «في دور التكوين»، ثم ختم بأنّ الشريعة نفسها صارت قيداً على أهلها.
فالكتاب الذي يُستشهد به على فضل الإسلام، يُقرّر في آخره أنّ سبب تخلّف المسلمين شريعةُ نبيّهم. وذلك هو الفرق بين أن تسأله: ماذا بنى المسلمون؟ فيُجيبك بما لا تجده عند كثيرٍ من أهله، وأن تسأله: لماذا بنَوا وكيف سقطوا؟ فيُجيبك بما لا يُقبل منه.
فاقرأه لتعرف ماذا كنّا، ولا تصدّقه في: لماذا كنّا.
▪︎ المؤلف والكتاب والمترجم
غوستاف لوبون (١٨٤١ – ١٩٣١م) فرنسيّ، درس الطبّ ثم انصرف إلى الاجتماع وعلم النفس والآثار، وأشهر آثاره «سيكولوجية الجماهير» لا هذا الكتاب. صدر بالفرنسية سنة ١٨٨٤م مزوَّداً بمئات الصور صوّر أكثرها بنفسه، بعد رحلاتٍ في المشرق والمغرب بين ١٨٨١ و١٨٨٤م.
ونقله عادل زعيتر (١٣١٢ – ١٣٧٧هـ/١٨٩٥ – ١٩٥٧م) النابلسي، شيخ المترجمين العرب في عصره، وترجمتُه من عيون النقل العربي. غير أنّ مقدّمته مبالِغةٌ في تمجيد المؤلف ‹هـ ص١١›، فيدخل القارئ إلى الكتاب وقد اطمأنّ قبل أن يقرأ.
والمفتاح في مقدّمة المؤلف: يذكر أنه بعد بحثه في الإنسان والمجتمعات رأى أن يطبّق «قواعده» على الحضارات الكبرى في ثمانية مجلداتٍ أو عشرة، ثم قال: «وبالعرب بدأت» ‹هـ ص٢٩›.
فالكتاب تطبيقُ نظريةٍ سابقة، والعربُ فيه شاهدُ إثباتٍ لا موضوعُ إيمان. ومن أغفل هذا لم يفهم ما بعده.
ستة أبواب: البيئة والعِرْق، أي الجنس والسلالة؛ مصادر قوّة العرب: محمد والقرآن والفتوح؛ دولة العرب في الأمصار مع الحروب الصليبية، وهو أوسعها؛ طبائعهم ونظمهم؛ حضارتهم في العلوم والفنون والعمارة والتجارة، وخاتمتها «تمدين العرب لأوربة»؛ ثم الانحطاط وأسبابه.
- ردُّ تهمة السيف: القوة لم تكن سببَ انتشار القرآن، والعرب تركوا المغلوبين أحراراً في أديانهم ‹ح ص١٦›.
- الفضل على أوروبا: جامعات الغرب لم تعرف خمسة قرونٍ مورداً علمياً سوى مؤلفات المسلمين، وهم مدَّنوا أوروبا مادّةً وعقلاً وأخلاقاً ‹ح ص٣٨-٣٩›.
- إبطال دعوى همجية العرب قبل الإسلام.
- إنصاف صلاح الدين، بل عاب صنيع قومه في بيت المقدس ‹هـ ص٣٣٨›.
- التوثيق المصوَّر، فصورُه وثيقةٌ لحال العالم الإسلامي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وفيها مبانٍ تغيّرت أو زالت.
رصانة الوصف في العمارة والفنون، وهي أنفع أبوابه، لأنها وصفُ ما رآه بعينه لا حكمٌ على غيب.
١- ردُّ البعثة إلى مصادفة الزمن، وهو أصرح ما يكشف منهجه: «لو ظهر محمد أيام سلطان الرومان ما قَدَرَ العرب على الخروج من جزيرتهم لا ريب، ولظلّ التاريخ جاهلاً لهم… وُلد محمد في أحسن الأوقات» ‹الباب السادس، أسباب عظمة العرب؛ هـ ص٦٢٥›، ثم قرّر: «وتأثير العِرْق من أهمّ تلك العوامل». فالفتحُ عنده ثمرةُ ضعف دولتَي الفرس والروم، لا نصرٌ من الله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
٢- جعْل القرآن نصّاً يتخلّق مع الحوادث: «شرع محمد… ينظّم شؤون دينه، وأخذ القرآن، الذي كان في دور التكوين، يكتمل» ‹الباب الثاني؛ هـ ص١١١›. فأضاف الدين إليه ﷺ إضافةَ الصانع إلى صنعته ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤].
٣- الإسلام «صورةٌ مبسّطة عن النصرانية»، و«أوّل دينٍ أدخل التوحيد إلى العالم» ‹الباب الثاني، فلسفة القرآن؛ هـ ص١٣١›. وفيه خطآن: جعْلُ الإسلام فرعاً عنها، ودينُ الأنبياء واحد ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]؛ وجعْلُ التوحيد طارئاً على العالم، وما بُعث نبيٌّ إلا به ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٥].
٤- التشكيك في الوحي بقصة الراهب: «فتلقّى منه علم التوراة» ‹ح ص١٣٠›. وكتب السيرة على ضدّه، فالراهب هو السائل المستخبِر، وافق ما أخبره به صفتَه التي عنده، ثم أمر أبا طالب بالرجوع به [ابن هشام ١/١٨٢]، وهو صبيٌّ أمّيّ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
٥- نسبة آيات المولد إلى صُنع العرب ‹ح ص١٢٩›، وقوله في الخوارق: «على زعم كتب السيرة» ‹ح ص١٣٠›. وقد اعتُذر عنه بأنّ «زعم» تُطلق على الحقّ والباطل، وهو اعتذارٌ ضعيف، فالعبرة بالسياق لا باللفظ وحده، والسياق سياق تبرُّؤٍ من التصديق.
٦- وصفُه ﷺ بالهوس: «يجب عدُّ محمد من فصيلة المهووسين من الناحية العلمية» ‹ح ص١٤٥›، مع وصفه إيّاه في موضعٍ آخر بأنه «شديد الضبط لنفسه… سليم الطويّة» ‹ح ص١٤٠ – ١٤١›. وهذا التناقض ثمرةُ منهجه، فهو يُقرّ بالفضائل لأنها منقولةٌ في الأخبار، ويأبى النبوّة لأنها غيبٌ لا يقبله.
٧- دعوى فترةٍ صامتة في حياته ﷺ: «ويُفترض، وإن لم يقم دليلٌ على ذلك، أنه كان يفكّر أثناءها في مبادئ دينه» ‹ح ص١٣١›، فاعترف بانتفاء الدليل ثم بنى عليه.
والمرحلة معروفةٌ مليئة: بناء الكعبة والحكم في وضع الحجر، وحملُ الأمانات حتى سُمّي الأمين، والتحنُّث في حراء.
٨- جعْل الشريعة سبباً للانحطاط، وهي خاتمة الكتاب: بقي «نيرُ الشريعة» طيّباً ما لاءم حاجة الأمة، فلمّا لزم تعديله «كان نيرُ التقاليد من الثِّقل بحيث لا يمكن زحزحته» ‹الباب السادس، أسباب الانحطاط؛ هـ ص٦٣٢›. والنِّير خشبةٌ تُوضع على عنق الدابة لتُقاد بها، فتأمّل التشبيه. والدين قد كمَل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وسببُ الانحطاط التفرُّق والمخالفة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال عمر رضي الله عنه: «إنّا كنّا أذلَّ قومٍ فأعزّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزَّ بغير ما أعزّنا الله به أذلّنا الله» [أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٦١ – ٦٢ وصحّحه، وصحّحه الألباني].
٩- موضعٌ يخصّ الدعوة النجدية: «وتزعم الوهابية أنها تُعيد إلى الإسلام صفاءه القديم، والوهابيون بروتستان الإسلام في الحقيقة» ‹الباب الرابع، الطقوس الدينية؛ هـ ص٤٣٠›.
وفيه: عدُّها فِرقةً، وإنما هي دعوةُ تجديدٍ على منهج أهل السنة؛ والتشكيكُ في ذلك بلفظ «تزعم»؛ ثم تشبيهُها بالبروتستانتية، وهو تشبيهٌ فاسد، فتلك انشقاقٌ عن كنيسةٍ محرَّفةٍ إلى اجتهادٍ فرديٍّ في نصٍّ محرَّف، وهذه رجوعٌ إلى كتابٍ محفوظٍ وسنّةٍ مدوّنةٍ بفهم القرون المفضَّلة.
يورد الأخبار بـ«تقول القصة» و«روى مؤرّخو العرب» بلا إحالةٍ إلى مصدر؛ ويعتمد في السيرة على أبي الفداء وهو متأخّرٌ مختصِر، دون ابن إسحاق وابن سعد والطبري وكتب الحديث؛ وينقل عن مستشرقين أمثاله فتدور الأخبار في حلقةٍ مغلقة؛ ويُخضع الأخبار لنظريته بدل أن يبني نظريته على الأخبار؛ ويخلط بين العروبة والإسلام حتى في العنوان، فأوّل مباحثه «مبدأ العِرْق كما أقرّته العلوم الحديثة»؛ ثم حكَم بأنّ روح النقد كانت تنقص مؤرّخي المسلمين ‹هـ ص٤٦٨›، وهو إجحافٌ ظاهر، فصناعةُ الجرح والتعديل لم تعرف أمّةٌ نظيرها، وإنما جهلها لأنه لم يقف على مصادرها.
▪︎ ضابط الاحتجاج بشهادة المخالف
أن يكون فيما يُدركه بحسّه ونظره، لا فيما طريقُ العلم به الوحي؛ وألّا يُجعل حجّةً في ذاته، بل شاهدَ تأييدٍ لما ثبت بالدليل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]؛ وأن يُبيَّن حالُ القائل فلا يُقدَّم للناس على أنه «منصفٌ» على الإطلاق؛ وأن يُقتصر على موضع الحقّ من كلامه، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الشيطان قال ﷺ: «أما إنه قد صدَقَك وهو كَذُوب» [أخرجه البخاري في كتاب الوكالة، معلَّقاً بصيغة الجزم، برقم ٢٣١١ في ترقيم فتح الباري].
فالقاعدة: يُقبل الصدقُ ولا يُزكَّى الكاذب.
- فريقٌ يمدحه بلا تحفُّظ، وهو الأوسع انتشاراً: مؤسسة هنداوي في تعريفها، ومركز جمال بن حويرب في سلسلته «تاريخ العرب عندما يكتبه المنصفون»، وقد ردّ أكثر مآخذ النقّاد.
- وفريقٌ يمدحه مع التحفُّظ، أوضحه مقالٌ في شبكة الألوكة صرّح بأنّ شهادته صادرةٌ عن رجلٍ لا يؤمن أنه ﷺ نبيٌّ مرسل، وأنّ تناوله للسيرة كان مجرَّداً من الإيمان.
- وفريقٌ ناقد، أجمعُه دراسة «شكوك غوستاف لوبون في نبوّة الرسول ﷺ» لإبراهيم والعيز، المنشورة في «هوية بريس» سنة ٢٠١٥م، وخلصت إلى أنه لم يخرج عن نمط المستشرقين رغم دعوى الموضوعية.
● تنبيهٌ توثيقيّ: يشيع أنّ لوبون قرّر أنّ «تقدّم العرب بتمسّكهم بالإسلام، وتراجعهم بابتعادهم عنه». وقد راجعتُ فصلَي العظمة والانحطاط فلم أجد هذا التقرير، بل وجدتُ ضدَّه، فالعظمةُ ردَّها إلى الزمن والعِرْق ‹ص٦٢٥›، والانحطاطُ إلى ثِقل التقاليد ‹ص٦٣٢›، فلا تُنقل هذه العبارة عنه.
النصّ واحدٌ في جميعها، وهو ترجمة زعيتر، والمفاضلة في الإخراج والتصحيح: طبعتك من الدار الأهلية حسنةُ الإخراج، ويُذكر عن إصدارات هذه الدار تكرُّرُ الأخطاء المطبعية فيُتنبَّه عند النقل؛ وهنداوي ٢٠١٢م أنسبُ للعزو لانضباط نصّها؛ والرافدين أجودُها ورقاً وصوراً؛ وإحياء التراث ط٣ ١٩٧٩م تُحيل عليها الدراسات النقدية.
ورمز (هـ) في هذا البحث لطبعة هنداوي، و**(ح)** لطبعة إحياء التراث، والترقيم بينهما مختلف، ولذلك ذُكر مع كلّ نصٍّ موضعُه من الباب والفصل ليسهل رجوعك إليه في نسختك.
البابان الثالث والخامس بسَعة، فهما لبُّ نفعه. والثاني بحذرٍ شديد، ففيه كلامُه في النبوّة والقرآن. والسادس بعين الناقد، فخلاصته مادّيّة، وهي أخطر ما فيه وأخفاه. ولا يُستشهد منه في العقيدة والسيرة بحال، وإن نُقل منه شيءٌ للناس فليُقرن ببيان حال قائله، لئلّا يُغرس في القلوب تعظيمُ مَن لم يُقرّ بالنبوّة، فيكون النفعُ في العاجل ضرراً في الآجل.
كتابٌ نفيسٌ في وصف عمران المسلمين وعلومهم وآثارهم، نقله زعيتر نقلاً يُعدّ في نفسه من محاسن العربية، وأنصف صاحبُه في مواضع فاق فيها أهلَ دينه.
وهو مع ذلك كتابُ رجلٍ لم يؤمن بالوحي، فقرأ البعثة بمنظار الزمن، والنبوّةَ بمنظار العبقرية، والقرآنَ بمنظار النصّ المتكوِّن، والشريعةَ نظاماً انقضى أوانه.
فمن قرأه على هذا التفصيل انتفع، ومن قرأه على شهرته اغترّ.
إرسال تعليق