هو عمل فلسفي نقدي يعالج الليبرالية بوصفها نسقًا فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا تشكّل تاريخيًا ثم قُدِّم في العصر الحديث كأنموذج كوني مكتمل. ينطلق الكتاب من رؤية معرفية تحليلية تعتبر أن الليبرالية اختزلت الإنسان في بعد مادي نفعي، وقدّمت نفسها باعتبارها التحقق الواقعي لمثال الحرية، فحوّلت المثال إلى مذهب مغلق، وأفرغ الحرية من بعدها الأخلاقي والآفاقي.
مدخل الكتاب ومنهجه النقدي
يعتمد المؤلف مدخلًا نقديًا مزدوجًا. المدخل الأول نقد مثالي فلسفي يتناول المفاهيم المؤسسة لليبرالية ويحلل علاقتها بالمثل الإنسانية الكبرى، وعلى رأسها الحرية. المدخل الثاني تاريخي سوسيولوجي يدرس الليبرالية في سياق نشأتها وتطورها وتجسدها الواقعي كنظام مجتمعي.
الفصل الأول: دلالة مفهوم الليبرالية
يعالج هذا الفصل مفهوم الليبرالية من زاوية دلالته التاريخية الواقعية. يقرر المؤلف أن المقاربة المعجمية لا تكشف عن حقيقة تشكّل المفهوم ولا عن دوافعه الاجتماعية والاقتصادية. الليبرالية تظهر هنا كاستجابة تاريخية لحاجات اجتماعية محددة. مفهوم الحرية داخل النسق الليبرالي يتبلور بوصفه أداة لإعادة تنظيم علاقات الإنتاج، خاصة مع الانتقال من الإقطاع إلى المجتمع الصناعي، حيث جرى تحرير الإنسان العامل لإدخاله في شكل جديد من الاستغلال الاقتصادي.
الفصل الثاني: النظرية السياسية الليبرالية
يؤسس هذا الفصل لفهم الجذور السياسية لليبرالية. يضع المؤلف نيقولا ميكيافيللي في موقع التأسيس للفصل بين السياسي والأخلاقي، ويحلل متنه بوصفه لحظة حاسمة في علمنة السياسة وتحويلها إلى مجال مستقل تحكمه المصلحة والقوة. ينتقل التحليل إلى جون لوك، الذي يُعرض باعتباره المنظّر الفلسفي المركزي لليبرالية السياسية، مع إبراز التوترات الداخلية في فكره بين التصور المعرفي التجريبي والتأسيس السياسي القائم على القانون الطبيعي. كما يتناول دور مونتيسكيو في بناء فكرة فصل السلطات، ويُقدَّم هذا الفصل بوصفه عنصرًا بنيويًا في النسق السياسي الليبرالي.
الفصل الثالث: النظرية الاقتصادية الليبرالية
يحلل هذا الفصل التصور الليبرالي للإنسان بوصفه كائنًا اقتصاديًا محكومًا بمنطق المنفعة والإنتاج والاستهلاك. يعرض المؤلف الجذور الفيزيوقراطية لليبرالية الاقتصادية، ثم ينتقل إلى تحليل أفكار آدم سميث، خاصة مفهوم «اليد الخفية» الذي يمنح السوق سلطة ذاتية مطلقة. يتناول الكتاب إسهامات ديفيد ريكاردو، مع بيان التحولات التي طرأت على مفهوم القيمة، ثم يناقش نظرية مالتوس بوصفها تأسيسًا مبكرًا لفوبيا ديمغرافية تبرر التفاوت والاستبعاد الاجتماعي.
الفصل الرابع: الليبرالية الجديدة
يعرض هذا الفصل سياق نشأة النيوليبرالية في القرن العشرين، ويحلل مدارسها الكبرى، المدرسة النمساوية، مدرسة لوزان، ومدرسة كمبريدج. يركز التحليل على مركزية السوق داخل هذا النسق، حيث يُقدَّم السوق ككيان مطلق يتجاوز الضبط الأخلاقي والاجتماعي. النيوليبرالية تظهر هنا كمرحلة قصوى من تأليه الرأسمال وتحويله إلى قوة مهيمنة على السياسة والإعلام والثقافة.
الفصل الخامس: الليبرالية والحرية والسؤال الأخلاقي
يتناول هذا الفصل مفهوم الحرية في المدلول الليبرالي، ويبيّن كيف جرى اختزالها في حرية الاختيار الفردي داخل السوق. يناقش المؤلف الأخلاق الليبرالية بوصفها أخلاقًا نفعية فردانية أدت إلى تفكك الروابط الاجتماعية وتآكل القيم الجماعية. الحرية في هذا السياق تفقد بعدها المسؤول، وتتحول إلى أداة لهدم البنى الأخلاقية التي يقوم عليها الاجتماع الإنساني.
الفصل السادس: الخطاب الليبرالي العربي
يحلل المؤلف تطور الخطاب الليبرالي في السياق العربي منذ لحظة دخوله مع فكر النهضة، مرورًا بتشكله الكلاسيكي، وصولًا إلى النيوليبرالية المعاصرة. يعرض هذا الخطاب بوصفه خطابًا انتقائيًا استهلاكيًا، استورد المفاهيم دون استيعاب شروطها التاريخية، وأعاد إنتاجها في سياق تابع، مما عمّق التبعية الفكرية والاقتصادية.
يخلص الكتاب إلى أن الليبرالية مذهب تاريخي محدود، تحوّل في صيغته المعاصرة إلى وثوقية فكرية تدّعي احتكار الحرية وتقديم نفسها كنهاية للتاريخ. هذا الادعاء يؤدي إلى إفقار الإنسان واختزال وجوده في منطق السوق والرأسمال. الحرية تظهر في الكتاب بوصفها مثالًا إنسانيًا آفاقيًا. تحرير الإنسان يقتضي تجاوز الليبرالية بوصفها نظامًا مغلقًا، واستعادة البعد الأخلاقي والإنساني للفعل السياسي والاجتماعي.
Post a Comment